الجاحظ
244
البخلاء
وقالوا : « يا عاقد اذكر حلا « 1 » » ، وقالوا : « الرشيف أنقع للظمآن « 2 » » . وقالوا : « القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع » . وقال أبو الدرداء : « إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملَّها » . وقال الشاعر : وإني لحلو تعتريني مرارة وإني لصعب الرأس غير جموح « 3 » وقالوا في عذل المصلح ، ولائمة المقتصد : « الشحيح أعذر من الظالم » . وقالوا : « ليس من العدل سرعة العذل » ، وقالوا : « لعل له عذرا وأنت تلوم » ، وقالوا : « ربّ لائم مليم » ، وقال الأحنف : « رب ملوم لا ذنب له » . وقال : « إعطاء السائل تضرية « 4 » ، وإعطاء الملحف مشاركة « 5 » » . وقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لا تصلح المسألة إلا في ثلاث : فقر مدقع « 6 » ، وغرم مفظع « 7 » ، ودم موجع » . وقال الشاعر : الحرّ يلحى ، والعصا للعبد وليس للملحف غير الردّ « 8 » وقالوا : « إذا جدّ السؤال جدّ المنع » ، وقالوا : « إحذر إعطاء المخدوعين ، وبذل المغبونين ، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور » . ولذلك قالوا : « لا تكن أدنى العيرين إلى السهم « 9 » » يقول : إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك
--> « 1 » يضرب هذا المثل لمن يثقل حمله فيشد الرباط حتى يؤذي نفسه ويضر ناقته أو راحلته . « 2 » الرشيف : رشف الماء شيئا فشيئا . الظمآن : العطشان . « 3 » تعتريني : تراودني . وصعب الرأس : اي انه لا يخضع ولا يسيّر . وغير جموح : غير نفور ، وهو لين في بعض الأحيان . « 4 » التضربة : التعويد . « 5 » اي مشاركته في الالحاف . والإلحاف : السؤال . والمراد مساعدته على الطلب والتسوّل . « 6 » مدقع : شديد . « 7 » مفظع : فظيع . « 8 » يلحى : يلام . « 9 » العير : حمار الوحش . والسهام : كناية عن الأعداء والعيران هما السائل والمعطي .